الغزالي
161
إحياء علوم الدين
واستغنى عن الناس ، واستراح من التعب ، وتخلى لعبادة الله عز وجل ، وتجارة الآخرة فيكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، وإنما لا تلهيهم لاستغنائهم عنها بالقناعة وأما المحتاج فتلهيه لا محالة الفائدة العاشرة : أن يتمكن من الإيثار ، والتصدق بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين ، فيكون يوم القيامة في ظل صدقته ، [ 1 ] كما ورد به الخبر . فما يأكله كان خزانته الكنيف ، وما يتصدق به كان خزانته فضل الله تعالى . فليس للعبد من ماله إلا ما لصدق فألقى ، أو أكل فأفنى ، أو لبس فأبلى . فالتصدق بفضلات الطعام أولى من التخمة والشبع وكان الحسن رحمة الله عليه ، إذ تلا قوله تعالى * ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الإِنْسانُ إِنَّه ُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ) * « 1 » قال عرضها على السماوات السبع الطباق ، والطرائق التي زينها بالنجوم ، وحملة العرش العظيم ، فقال لها سبحانه وتعالى ، هل تحملين الأمانة بما فيها ؟ قالت وما فيها ؟ قال إن أحسنت جوزيت . وإن أسأت عوقبت . فقالت لا . ثم عرضها كذلك على الأرض ، فأبت ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصلاب الصعاب ، فقال لها هل تحملين الأمانة بما فيها ؟ قالت وما فيها ؟ فذكر الجزاء والعقوبة ، فقالت لا . ثم عرضها على الإنسان فحملها . إنه كان ظلوما لنفسه ، جهولا بأمر ربه . فقد رأيناهم والله اشتروا الأمانة بأموالهم ، فأصابوا آلافا ، فما ذا صنعوا فيها ؟ وسعوا بها دورهم ، وضيقوا بها قبورهم ، وأسمنوا براذينهم ، وأهزلوا دينهم ، وأتعبوا أنفسهم بالغدو والرواح إلى باب السلطان ، يتعرضون للبلاء وهم من الله في عافية ، يقول أحدهم تبيعني أرض كذا وكذا وأزيدك كذا وكذا ، يتكئ على شماله ، ويأكل من غير ماله ، حديثه سخرة ، وماله حرام ، حتى إذا أخذته الكظة ، ونزلت به البطنة ، قال يا غلام ائتني بشيء أهضم به طعامي . يا لكع ، أطعامك تهضم ؟ إنما دينك تهضم . أين الفقير ؟ أين الأرملة ؟ أين المسكين ؟ أين اليتيم الذي أمرك الله تعالى بهم ؟ فهذه إشارة إلى هذه الفائدة ، وهو صرف فاضل الطعام إلى الفقير ليدخر به الأجر .
--> « 1 » الأحزاب : 72